محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

841

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

وقوله : مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ فيها ، والدلائل الواضحة عليها ، وهذا اختيار ابن جرير ؛ وقال أبو إسحاق : الكناية راجعة إلى محمّد - صلّى اللّه عليه وسلّم - أو كتابه وقد جاءتهم البيّنات على صدقه وكتابه . بَغْياً من اليهود والنصارى . وبغيا نصب على معنى مفعول له أي لأجل البغي والحسد وطلب الرياسة . وقوله : فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا « 1 » أي بمحمّد - صلّى اللّه عليه وآله - وانّما آمنوا لأنّ اللّه هداهم ، وإنّما هداهم لأنّهم آمنوا ؛ فعرّفهم ما بدّله اليهود وحرّفوه امتنانا منه عليهم وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ . الأسرار قال الذين هداهم اللّه : في الآية إشكالات منها قوله : كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً إمّا على الحقّ كما قال قوم ، وإمّا على الباطل كما قال قوم ؛ فإن كانوا كلّهم على الحقّ أو كلّهم على الباطل فكيف بعث اللّه النبيّين مبشّرين ومنذرين ؟ ! والتبشير والإنذار إنّما يكون لمحقّ ومبطل ، ويدلّ بعث الرسل على أنّ بعضهم كانوا على الحقّ ؛ فيستحقّ البشارة وبعضهم كانوا على الباطل فيستحقّ الإنذار ؛ فما معنى إذا : كان الناس أمّة واحدة على التساوي في الدين ؟ وليس ينحلّ هذا الإشكال من التفاسير التي ذكرناها على اختلاف أقاويل المفسّرين إلّا أن نسلك طريق الهداة المهديّين في رعاية الكونين والحكمين : حكم المشابهة وحكم المباينة ؛ كان الناس أمّة واحدة على التشابه في الفطرة الأولى وهو الاعتراف بصانع حكيم قادر عليهم كما ورد في الخبر : « خلق اللّه العباد على معرفته » 106 وكما قالوا بلى ، وكما لو سألتهم من خلقهم ليقولنّ اللّه اعترافا منهم لضرورة الفطرة بكونه خالقا ؛ وإنّما الخلاف ( 347 آ ) جاء والإنكار حصل على كونه أمرا ، وأمره إنّما ينزل على بشر في طيّ كتاب ؛ فقوله : كان الناس أمّة واحدة إشارة إلى الفطرة الأولى وهي المعرفة بكونه خالقا ؛ فتعبّدوا بالاعتراف بكونه أمرا لتحصل الفطرة الثانية بأن بعث اللّه النبيّين مبشّرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحقّ حتّى يعرفوه كما أمرهم على لسان رسله في كتبه لا كما يتصرّفون في

--> ( 1 ) . في الهامش عنوان : التفسير .